رَيْحَانيَات

 

رهانات الأغنية العربية المعاصرة

 

خاتمة الرهانات

 

 

 

 

 

الموسيقى شكل من أشكال تحرير الإنسان من كل ما من شانه حرمانه من السعادة. وهذا التحرير يتم بطريقتين:

 

*إما بتحرير الجسد من القيود، على غرار المدرسة الإفريقية وامتداداتها في أمريكا اللاتينية وباقي العالم.

*أو بتحرير الروح من الجسد، على غرار المدرسة الشرق-أسيوية الباعثة على التأمل والتدبر في الذات والكون...

 

لكن التحرير، سواء كان جسديا أم روحيا، قبل أن يتوجه للمتلقي (المستمع أو المشاهد) عليه أن ينطلق من الملقي(المغني أو المطرب). على المغني أن يكون حرا بالضرورة، متصالحا مع ذاته وأغنيته حتى يظهر ويسمع ويستشعر صادقا في غنائه. لذلك على المغني أداء أغان تطربه هو أولا كي يتوحد مع ألحانها ومضامينها بغية التعبير عن وجوده ومشاعره وطموحاته. فشعور الجمهور ليس، في نهاية المطاف، سوى صدى لشعور المغني. فإذا كان المغني زائفا، عم الشعور بالزيف كل المستمعين. وإذا كان المغني صادقا، غمر الصدق عموم الجمهور واكتشفوا جميعا حقيقة تنبثق لتوها من الأغنية التي ضحوا بوقتهم للاستماع إليها...

 

إن ما تعانيه الأغنية العربية اليوم هو غياب ثقافة الاعتزاز بالحرية. والوعي بالحرية يمر عبر المصالحة مع الذات العميقة لبلورة رؤية مستقلة للوجود وتطوير سلوك حياتي خاص وتنمية شخصية مستقلة: المصالحة بين المقول والمفكر فيه، بين القول والفعل... لذلك فلا سبيل لاستيراد الإيقاعات الأجنبية ولا مجال لركوب الموجات الفنية. فقد جرب المغنون العرب كل أنواع الغناء الغربي المبني على أساس الحرية كالراب والروك لكن النتائج كانت مغايرة ومحبطة ذلك أن تلك الأغاني لم تكن تعبيرا بالراب والروك وإنما كانت ترويضا لموسيقى الراب والروك وكل أشكال الموسيقى المتحررة كما هي متعارف عليها في سياقاتها وفضاءاتها الغربية الأصلية!...

 

الحل، إذن، يكمن أولا في الغوص العميق داخل الذات وتحريرها من الرقابات اللانهائية ومن التناقضات الزائدة. ويكمن ثانيا في ربط كل اختيار غنائي بفلسفته الموسيقية التي يستمد منها مرجعيته ووجوده وقوته والتي بدونها يصبح غناء عبيطا. صحيح أن الأذن تطرب للنغم والصوت الجميلين ولكن الأذن تستعد أيضا وبشكل قبلي للاستمتاع بالأغنية مهما كانت جديدة لمجرد انها تنضوي تحت لون غنائي معين (Blues, Rock'n roll, Jazz, Flamingo, Rap, Samba). ففي المغرب، موسيقى اكناوة، أحدى الأنواع الموسيقية المغربية الواعدة على الصعيد العالمي، يستعد لها الجمهور المغربي والأجنبي نفسيا قبل الحضور وقبل بداية العرض لاستيعابهم فلسفة موسيقى اكناوة القائمة على الجذبة وتحرير الروح. فالأسئلة الثلاث الأولية، إذن، التي ينبغي طرحها عند الاستماع إلى أي أغنية عربية في هذه المرحلة من إرادة تغيير شكل تذوق المستمع العربي للأغنية العربية هي التالية:

 

* تحت أي لون موسيقي تندرج هذه الأغنية(Soul, R'nB, Reggae

*ما هي الفلسفة الغنائية المؤطرة لهذا اللون الموسيقي؟

*هل يجسد المغني وجوقته هذه الفلسفة الموسيقية في أدائهم لهذه الأغنية؟

 

هذه هي الأسئلة السحرية الثلاث التي إذا طرحت على الأغاني العربية، تعرت الأغنية العربية من أوراق توتها ليتضح لنا أن الغناء العربي لا ينبني على فلسفة غنائية وإنما يقوم على إيقاعات جغرافية: الأغنية المغربية، الأغنية الشامية، الأغنية الخليجية، الأغنية المصرية...

 

على الأغنية العربية راهنا الوعي بمشكلتها العميقة الأهم وهي أنها بلا سند فلسفي يدعمها ويؤطرها. وإذا ما عم هذا الوعي وتوفرت الإرادة وحضرت الأدوات تحقق المراد وكان الخلاص. إن الأمر يتعلق بالالتزام في الغناء. لكنه التزام مغاير لمفهوم الالتزام في العرف السارتري الذي ترك المفهوم مشرعا على كل الاتجاهات:

 

*الالتزام بموقف سياسي محدد؟

*الالتزام بنوع موسيقي معين (المرساوي، الحساني، الكناوي...)؟

*الالتزام بغرض شعري دون سواه (الغزل، المدح، الحكم...)؟

*الالتزام بمصالحة الشكل بالمضمون؟...

 

ظهر "الالتزام" في الأدب مع الفيلسوف الفرنسي المعروف جون بول سارتر بعد نهاية الحرب العالمية الثالثة. وانتقل المفهوم بعد ذلك إلى الغناء بما فيه الغناء العربي خاصة بعد هزيمة حرب الأيام الست سنة 1967 مع الشيخ إمام ومارسيل خليفة وفيروز وناس الغيوان... ويتغيا مفهوم "الالتزام" في الغناء الدفاع عن قضية وخدمتها إلى النهاية. أي "الشكل الجمالي في خدمة المضمون" أو "الفن في خدمة الخارج" أو غالبا "الفن في خدمة السياسة"...

لكن مفهوم "الالتزام" بفلسفته السارترية لم يكن سوى مرحلة انتقالية من الحلقة الأولى إلى الحلقة الثالثة: من الأغنية التلقائية العفوية التي تعيش على اليومي والنمطي إلى الأغنية الغدوية الواعية بشكلها التعبيري التي تنشغل بالانسجام الداخلي بين الشكل والمضمون سعيا للتوحد والتحرر والخلاص... هنا تكمن الأهمية التاريخية لدور المبدع في الرقي بالأغنية العربية.

 

المبدع، أو الملحن، هو منجز النصوص الغنائية ومخرجها إلى الوجود ومحولها من نصوص شعرية إلى نصوص غنائية. والمبدع قد يؤدي النص الغنائي شخصيا فيكون آنذاك النص حقيقيا لكون من أبدع النص هو من يؤديه كما فعل الرواد من أمثال سيد درويش ومحمد عبد الوهاب والشيخ العنقا وعبد الوهاب الدوكالي والشيخ إمام. وقد يلجأ المبدع، نظرا لعدم قدرته على أداء إبداعه إلى مغن آخر يكون "أداة" لأداء النص الغنائي كما فعل أغلب المبدعين من طراز محمد القصبجي رياض السنباطي وكمال الطويل وعبد السلام عامر وزياد الرحباني وبليغ حمدي وعبد القادر الراشدي ومحمد الموجي. لكن في هذه الحالة، الحالة الثانية، ووعيا بقيمة الرسالة الفنية التي سيخرجها المبدع إلى الوجود وإلى الجمهور، على المبدع اختيار الصوت والصورة المناسبة لإلقاء الأغنية من بين المغنين المرشحين والمغنيات المرشحات لذات الدور. وفي هذا الإطار، لا مناص له من "الكاستينغ" بنوعيه.

 

فإذا كان "الكاستينغ" الأولي يتحدد في اختيار الصوت الأنسب لأداء الأغنية . فإن "الكاستينغ" الثاني والأهم يختص بتأطير المغني وتوجيهه وجدانيا ومهاريا وفكريا للتفاعل مع الأغنية التي سيقوم بأدائها. لذلك، كان الاستغناء عن "الكاستينغ" أو حتى ردم إحدى حلقتيه هو بمثابة قرار بإلقاء الأغنية في مجاهل العبث. ولذلك، كان احترام "الكاستينغ" بوابة الصدق الفني والغنائي للنص بكل مكوناته. ولنا في أغنية "جريت وجاريت" أو "ياك، آجرحي"، خير مثل في نجاح "الكاستينغ" بحلقتيه الآنفتي الذكر حتى صارت الأغنية أغنية لكل النساء. فقد كتب الزجال نص "جريت وجاريت" خصيصا للمطربة نعيمة سميح الخارجة للتو من المستشفى وألح عليها مبدع الأغنية، عبد القادر الراشدي، كي تؤديها وهي لا زالت في فترة نقاهة فكان الأثر الفني الخالد في ذاكرة ووجدان الجماهير: امرأة عليلة تغني عن مرض أنثوي عضال. ولقد ساعدها على إنجاح الأغنية معينات أخرى كبحة صوتها وعياء مظهرها خلال الأداء مما جعل النساء يتماهين معها ومع أغنيتها فتغنين بها ولا زلن واشتكين حالهن من خلالها. فالجمهور لا يكترث بجمال المغني بل يهتم بتفاعل المغني مع الأغنية المؤداة لإيمانه بان الأغنية هي تجربة وجودية للمغني.

 

ومن الأغاني العربية الناجحة الصالحة كنموذج ل"الكاستينغ" السليم الناجع يمكن الاستشهاد بأغنيتين. الأغنية الأولى "زهرة المدائن" التي تصالح فيها الأداء العسكري الغاضب والكورال الرجولي القوي ولباس الحداد والقسوة على وجه مؤدية النص الغنائي، سفيرة الأغنية العربية إلى النجوم : فيروز. والأغنية الثانية "غير خذوني" لمجموعة ناس الغيوان حيث يتصالح إيقاع "الجذبة" مع صراخ عبد الرحمان باكو بكل القشعريرة التي تصاحب سماعه من فرط الصدق الخالص لدرجة انه يمكن اعتبارها "الصرخة الحقيقية الوحيدة" في الأغنية العربية من الماء على الماء.

 

وإذا كانت هناك أغان ناجحة بفعل التأطير الجيد الواعي بمهمته، فثمة في المقابل أغان فاشلة أو هذا اقل ما يمكن أن يقال عنها. ذلك أن بعض المبدعين (=الملحنين) ممن يفتقرون للحس التاريخي يلحنون النصوص الشعرية أو الزجلية التي تصلهم فقط لانها منلجنة الكلمات في دار الإذاعة والتلفزة التي يشتغل فيها ك"موظف" ثم يواصل "أداء وظيفته" بتعيين قريبته أو خليلته أو صديقه أو زبونه لأداء الأغنية دون الحاجة إلى "الكاستينغ". إنه بكل بساطة يفضل "الوظيفة المهنية" على "الوظيفة التاريخية".

 

هذه "الأخطاء التاريخية" التي يضعها مبدع الأغنية على كاهل المغني تدفع هذا الأخير أن يضيف لحصيلة الأخطاء أخطاء إضافية كان يغني على الهجران والغدر والحسرة والندم وهو يبتسم للجمهور ويطالبه بالتصفيق والمصاحبة بكورال جماعي، الشيء الذي يعطي للأغنية بعد مازوكيا يلتد بالعذاب والإحباط...

 

صحيح أن أزمة الأغنية العربية تكمن في أزمة الشعر الإنساني النبيل الصادق وفي أزمة الأصوات المتنوعة (الصوت "الأجش"، الصوت "المبحوح"، الصوت "النفناف"...) لكن أزمة الأغنية العربية الحقيقية تكمن في خللين يحملهما مبدع الأغنية العربية معه أينما حل وارتحل ومهما غير أدواته ومقاماته:

 

1)- الخلل الأول يكمن في ضعف الوعي لدى المبدع العربي بالشكل التعبيري المناسب للنص الغنائي المؤدى.

2)- والخلل الثاني يكمن في ضعف "الوعي التاريخي" لديه في كونه مجرد جسر تعبر فوقه الثقافة العربية والفن العربي إلى الأفضل.

 

ودام الخلل يبدو عاما، فمن الأنسب اتخاذ أشكال إجرائية لتقويم الوضع الفني العربي. والسيناريوهات السبع الواردة أسفله هي ورقة عمل للتفكير الجدي في ضرورة فعل شيء ما لتقويم الوضع الفني العربي الذي يؤثر فينا وفي ذوقنا العام وفي شكل رؤانا لذواتنا وللوجود والعلاقات والأشياء...

 

السيناريوهات السبعة الممكنة للإقلاع الحقيقي بالأغنية العربية تتوزع كالتالي:

 

1)- العودة للقصيدة العربية كونها أكثر جرأة من الزجل العامي.

2)- إعادة أداء الأغاني الإنسانية الناجحة (Reprise) للاحتكاك بمسارات الغناء في الثقافات الأخرى.

3)- الغناء المنفرد: أسوة بالمسرح الفردي (One-man Show) الذي لا يلجه إلا الأكفاء من الفنانين المسرحيين. وعن طريق الغناء المنفرد أثبت مارسيل خليفة ذاته في بداياته مثله في ذلك مثل سوزان دي فيكا وتراسي تشابمن (Suzan De Vega, Tracy Chapman)...

4)- الغناء الجماعي والتغني بهموم الجماعة وبضمير الجماعة . أو الابتهالات وطلب الخلاص على منوال فرق الإنشاد الصوفية العربية أو فرق الغوسبلز الأفرو-أمريكية (Gospels).

5)- العودة لأغاني المجموعات حيث يتناوب على الإلقاء كل أعضاء المجموعة على طريقة ناس الغيوان والمشاهب وجيل جيلالة والمشاهب وإزنزارن... حيث يحتمي المبدع داخل المجموعة يساهم في أداء النص ويوجه أداء أعضاء الجوقة.

6)- حصر الغناء في العنصر النسوي ما دامت النصوص الشعرية لا تتغنى سوى بالحبيب الرجل وبالقائد الرجل والزعيم الرجل... وما دامت الأصوات الرجولية تخشى من رجوليتها إذ لم تسمع الأذن العربية صوتا قويا ينافس أو يخلف صوت المطرب العربي العظيم فهد بلان.

7)- الركون للموسيقى الأدواتية ( (Musique Instrumentaleأو الانتقال من اللفظي إلى الصامت، من الاغنية إلى المعزوفة الصامتة. كما فعل الفنان مارسيل خليفة في آخر أعماله كشكل من أشكال الانتظار لنصوص قادمة أو كتعبير عن لاجدوى الكلام ولا فائدة من النص اللغوي المكتوب في زمن كثر فيه اللغط... فباستبدال صوت المغني بآلة موسيقية أو آلات موسيقي، تتغير فلسفة الأغنية جذريا. وتأسيسا على ذلك ، يمكن فهم أسباب لجوء مارسيل خليفة إلى تجريب الصمت والموسيقى الأدواتية.

 

إن لحظة الصمت هي فرصة للمكاشفة وللإنصات العميق للذات. إنها فرصة للتأمل في واقع الإنتاج الرمزي العربي والتفكير الرزين في واقعه وأشكال الخلاص منه وتحديد الوجهة الجديدة للأغنية العربية الغدوية.

 

 

 

الفهرس

 

مقدمة

المبدع الحر والمشروع الغدوي

الأغنية العربية المؤجلة، النص الغنائي العربي في رحلة البحث عن الذات

التعبير الغنائي، من استظهار النص إلى التوحد به

الوظيفة التعبيرية للأغنية، نحو تحرير شامل للجسد المغني

الموقف من الوجود في الأغنية العربية

نحو أغنية عربية تعددية

أزمة الأغنية العربية من ازمة الشعر العربي

"الحب العليل" في الأغنية العربية

الأغنية المصورة :الكائن والممكن

محنة الإسم الفني في الوسط الغنائي بين اللاهوية واللاإبداع

نحو تجديد الكلمة والنغمة في الأغنية العربية: من الأغنية الملتزمة إلى الأغنية المتزنة

خاتمة

ملحق صورالمبدعين والمطربين

 

الكتاب الرابع

الكتاب الثالث

الكتاب الثاني

الكتاب الأول

النشيد الوطني العربي: الثابت والمتحول

الموسيقى الصوفية: موسيقى الخلاص

قراءات في موسيقى البوب العالمية

رهانات الأغنية العربية المعاصرة

 

 

خريطة الموقع

 

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

بَيَانَاتُ أدبية

"الحاءات الثلاث" مضامين الغد

روايات

حِوَارَاتٌ مع الرَّيْحَاني

حِوَارَاتٌ من الشرق والغربٌ

المَكْتَبَةُ الإِلكْتْرُونِيَةُ

درَاسَات سِيميَائِيَةُ للأسماء

رهانات الأغنية العربية

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

أدب الطفل

مجاميع قصصية على الخط

الألبوم المفتوحُ

تقديم أعمال الأصدقاء

مجاميع قصصية مشتركة

ENGLISH

FRANCAIS

الصفحة الرئيسية

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

<<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-song-chapter11.htm</title>

<meta name="description" content=" دراسات في الأغنية لمحمد سعيد الريحاني ">

<meta name="keywords" content="موسيقى، غناء، توزيع، لحن، نغم، طرب، أغنية

">