رَيْحَانِيَاتٌ

 

Description : Description : Description : at_desk

 

 

 

الحاءات الثلاث

أعمال مشتركة

المدرسة الحائية

مجاميع قصصية

لقاءات مع مبدعين

روايات

 لقاءات مع الريحاني

بَيَانَاتُ أدبية

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

قصص قصيرة جدا

مترجمات ْ

نقد ذاتي

درَاسَاتُ إسمية

نقد أدبي

الأغنية العربية

المَكْتَبَةُ الإلكترونية

أدب الطفل

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

 

 

 

 

 

قصائد شعرية

أبحاث في الترجمة

أبحاث  في الفن

أبحاث  في الإعلام

 

 

نقد أدبي

 

جدلية الانطلاق ومراجعة الذات في مسار القصة القصيرة الكويتية والمغربية

                                                                                                                       

(دراسة مقارنة)

 

القصة القصيرة: تدقيقات

 

القصة القصيرة نوع أدبي مصنف ضمن سلم الأنواع الأدبية المنتمية لجنس السرد. إنها قصة تدور حول حدث خارق حلّ بشخصية واحدة خلال زمن قصير "حدثيا" و"قرائيا". ولأن القصة القصيرة تتقاطع مع أنواع سردية أخرى ك"الرواية" و"الخرافة" مما يضاعف أحيانا اللبس المحيط بالقصة القصيرة، يمكن لمقارنة القصة القصيرة بهذين النوعين السرديين أن يبدد كل الالتباسات المحتملة ويجعل تعريف القصة القصيرة تعريفا لا تشوبه الشوائب.

 

الخرافة أو الأحجية (Tale) هي "أقدم" أنواع السرد القصير. وبذلك، فالخرافة أو الأحجية لا زالت تحتفظ بثلاث مورثات جينية تتحكم في نموها واستمراريتها. المورث الأول، هو بُعدها "الأسطوري" حيث تدور الأحداث في فضاءات غرائبية لأبطال خارقين في أزمنة عجائبية. أما المورث الثاني،  هو "بدائية أشكال عرضها الفني" بحيث تبدأ الخرافة أو الأحجية عادة ب"كان يا ما كان" كتقديم للنص يليه "تأزيم" للحدث ويختتم النص ب"العِبْرَة". وأخبرا، المورث الثالث، هو الفلسفة التي قامت الخرافة أو الأحجية من أجلها منذ البداية وهي "تبرير" أو "تفسير" طريقة سير العالم من خلال اقتراح العبر والدروس في خاتمة أنواع من الخرافات التي يمكن تسميتها ب"قصص الوعظ" (Fable, allegory)...

 

الرواية (Romance, Novel)  نوع سردي أدبي عمره ألف سنة. فقد ولدت الرواية مع "ألف ليلة وليلة" في عصر الدولة العباسية لكنها لم تتحول إلى تقليد سردي عربي، كما حصل مع الأنواع الأدبية الأخرى، نظرا للحرية التي كتب بها العمل والتي جعلته عرضة للحرق والإتلاف والمطاردة حتى الثمانينيات من القرن العشرين حيث كانت نقاشات "البرلمان المصري" منصبة حول إيقاف تداول رواية عمرها ألف سنة!

 

أما الفرق الذي يقف برزخا بين الرواية والقصة القصيرة فيمكن إجماله في كون الرواية تنقل حياة الفرد داخل المجتمع، فضلا عن كونها لا تترك انطباعا واحدا، كما أنها تستوعب التجربة الإنسانية لشموليتها وَسيلتُها في ذلك الاستطراد لكن نهايتها تبقى "متوقعة" بينما القصة القصيرة تنقل حياة الفرد منعزلا عن مجتمعه، مع تركيزها على إعطاء انطباع واحد. ولأنها "قصيرة"، لا تركز القصة القصيرة على حياة إنسانية بأكملها وإنما على مشهد هارب واحد وحيد، أما نهايتها فتبقى دائما "غير متوقعة"...

 

القصة القصيرة (Short Story)، إذن، تبقى سليلة التحول البنيوي الذي طرأ على الثقافة الغربية التي تحولت، على الواجهة العلمية، من التنجيم إلى علم الفلك ومن الشعوذة على الطب. كما  تحولت، على الواجهة الأدبية، من الملحمة إلى الرواية ومن الخرافة إلى القصة القصيرة...

 

ولعل أهم خصائص القصة القصيرة، أسلوبيا، هو التكثيف والتركيز والإيجاز؛ ومن حيث الأثر،  هو إثارة الدهشة من خلال قلب أفق انتظار القارئ إذ، عكس الرواية، نهاية القصة القصيرة دائما غير متوقعة؛ وعكس الخرافة، فالقصة القصيرة لا تهتم ب"تبرير" العالم أو "تفسيره" وإنما تهتم فقط ب"اكتشاف" العالم كما أن اهتمامها الأول هو شكل العرض الفني مما يجعل "وعيها" السردي متقدما بكثير عن الخرافة أو الأحجية...

 

القصة القصيرة، إذن، هي أحدث الأنواع السردية الثلاثة المذكورة عُمرا ما دامت وليدة القرن التاسع عشر على يد ثلاثة كتاب ينتمون لثلاث قارات وهم الروسي أناتول تشيكوف (من آسيا)، الأمريكي إدغار آلن بو (من أمريكا الشمالية)، والفرنسي غي دي موباسان (من أوروبا). وقد ساهمت الصحافة في انتشارها إلى حد كبير إذ سرعان ما صار لها قراء وصار لها موطئ قدم في مملكة الإبداع السردي الأدبي قبل أن تغزو باقي القارات وينضم إليها كتاب جدد أغنوها وطوروها حتى عرفو واشتهروا بها كماكسيم غوركي وأرنست همنغواي وويليام فولكنر وخورخي لويس بورخيس وغابرييل غارسيا ماركيز وغيرهم من الأقلام الاستثنائية التي عرفها أدب القرن العشرين.

 

ولعل "القِصَر" كان من بين أهم العوامل التي جعلت الصحافة تفتح ذراعيها لاستقبال القصة القصيرة وإيصالها لجمهور القراء. أما أسباب ذلك فتعود لكون متعة القراءة تكون مكتملة غير "مُمَطّطة" على حلقات، كما يتيح قصر هذا النص الفرصة لذلك النص في النشر والمقروئية على ذات الصفحة من الجريدة. كما كان للتفسير المالي جانب من الأثر. فالكاتب الروائي الذي كان ينشر رواياته على حلقات على جريدة من الجرائد كان "تعويضه المالي" يتحدد ب"عدد كلمات" الحلقة  أو الفصل المنشور. وهذا ما يفسر طول جمل وفصول كتاب كبار مروا من هذا الطريق كتشارلز ديكنز وميكائيل دوستويفسكي وجوج برنارد شو وغيرهم من كتاب القرن التاسع عشر. أما كاتب القصة القصيرة فكان يعوض على "عدد النصوص القصصية المنشورة" وليس على "عدد الكلمات في النص الواحد المنشور".

 

 

ظهور القصة القصيرة في الكويت والمغرب:

 

وإذا كان للصحافة الفضل في نشر القصة القصيرة في أمريكا وأوروبا وروسيا، فقد لعبت الصحافة العربية ذات الدور مع النصوص القصصية العربية وكان أول نص قصصي قصير في الخليج العربي هو نص "منيرة" للقاص الكويتي خالد الفرج على مجلة "الكويت" عدد نونبر- دجنبر 1929وهو النص الوحيد المنشور لهذا القاص الذي احتفظ في مكتبته العائلية بنص ثان ظل دون نشر حتى بعد وفاته  وعنوانه "المسدس" وهو نص موقع بتاريخ 10 نونبر 1952. وقد كتب النص الأول، "منيرة"، في عز الإعجاب الكويتي بالنهضة المصرية التي كانت تصل إلى الخليج العربي عبر المجلات الثقافية المصرية لكن عدائية المعسكر التقليدي في كويت بداية القرن العشرين ما كانت لتسمح بدخول "ثقافة البدع والزندقة والكفر" لو لم يُعَجّل بقيام معسكر ثقافي ثان  مجدد ومنفتح حمى العقول والأقلام التواقة للانفتاح عبر إنشاء المكتبات الأهلية وفتح المدارس العصرية وإصدار مجلة "الكويت" ذات التوجه الإصلاحي العام الذي يتقاطع معه نص "منيرة" لخالد فرج والذي كان السبب الرئيس في نشر النص.

 

أما في المغرب، فقد ظهرت القصة القصيرة في الثلاثينيات من القرن العشرين لكن التجربة لم تتطور نظرا للهجوم الشرس على هذا النوع الأدبي "الاستعماري" كما لم تُجَمَّع النصوص  ولو بعد مرور السنين بل لم يعد اسم الكاتب نفسه، محمد حصار، إلى الظهور ثانية. وكأنما قَتْلُ الكاتب بعد نشره للنص كان في الآن نفسه مادّيا ورمزيا. فقد كان "أبحث عن بربري" للقاص محمد حصار  أول النصوص القصصية القصيرة في المغرب سنة  1934 لكنه سرعان ما انطفأ ، صحبة نوعه السردي، تحت الهجوم العنيف للمتلقي المشبع بروح مقاومة المحتل وثقافته الكولونيالية والتي كان من ضمن أدواتها أو تجلياتها أو ضحاياها: "القصة القصيرة". ولذلك، لم تعد القصة القصيرة للظهور ثانية في المغرب إلا بعد تغييرها  ل"مضمونها" القصصي ليساير "المطلب الوطني التحرري العام" وهو "مقاومة الاحتلال". وبذلك، خرجت للنور سنة 1947 أول مجموعة قصصية في تاريخ المغرب القصصي وهي أضمومة "وادي الدماء" لعبد المجيد بنجلون رغم أن الباحث الدكتور محمد القاسمي يشير إلى أن أول مجموعة قصصية مغربية هي للقاص المغربي مصطفى الغرباوي لكنها ضاعت منذ سنة 1938 وعنوانها "غرائب الأقدار"...

 

بعد سنة "وادي الدماء"، تناسلت المجاميع القصصية بعد ذلك  في المغرب الرازح تحت الاحتلالين الفرنسي والإسباني فكانت "أفراح ودموع" عام 1951 و"صور من حياتنا الاجتماعية" عام 1953 للقاص الخضر الريسوني ثم "اللهات الجريح" عام  1955للقاص محمد الصباغ. أما بعد استقلال المغرب، فقد تحررت القصة المغربية القصيرة شكلا ومضمونا كما تحرر كتابها فالتحقت "تاء التانيث" بالكتابة والنشر ثارة بأسماء مستعارة وثارة أخرى بأسماء صريحة...

 

 

         نساء القصة القصيرة في المغرب والكويت:

 

         أول قاصة مغربية تبقى هي زهرة زيراوي التي صرحت في حوار أدبي منشور أُجريته معها: "أعتقد أن الكتابة هي التي بدأتني. فقد   "كان عصري يكتبني". بدأ ذلك في نهاية فترة الاستعمار الفرنسي بالمغرب. وقد كان الدافع لذلك أن جيرانا لنا كانوا هم أسرة  الشهيد محمد الحداوي استيقظنا صباحا على عرس شهيد في 19 عاما من عمره فاجأ الاستعمار الفرنسي الشقة التي على ما أذكر كانت بحي سيدي معروف القديم القريب  من شارع الفداء  فوجدوه لهم بالمرصاد حاملا بندقيته ، لم أر عائلته في حال من الحزن بل كانوا متماسكين و محتسبين أمرهم إلى الله تعالى . 

هذا الذي حدث صغته قصة و بعثت بها إلى مجلة المشاهد التي كانت تصدر آنذاك موقعة باسم عبد القادر زيراوي  ــ هو أخي  ــ كمن يحتمي من خوف ما  و هو مقبل على السير في  درب كبير و شائك. وطبعا نشرت القصة بالاسم المستعار". 

وبعد نص زهرة زيراوي، تناسلت النصوص والمجاميع والأسماء القصصية النسوية. في البداية، كانت الأسماء المستعارة كرفيقة الطبيعة  مثلا واسمها الصريح  زينب فهمي.  ثم انكشفت الأسماء الحقيقية بكل أنوثتها فصارت هناك خناثة بنونة ورفيقة الطبيعة ومليكة مستظرف وربيع ريحان وزهرة رميج وسعاد الناصر وزهور كرام ولطيفة باقا ومليكة نجيب ولطيفة لبصير وعائشة موقيظ وحنان درقاوي ووفاء الحمري وفتيحة اعرور ورشيدة عدناوي وفاطمة بوزيان....

          أما أول قاصة كويتية فهي الطفلة ضياء هاشم البدر بنصها المعنون " نزهة فريد وليلى" والمنشور في مجلة "البعثة" الكويتية الصادرة من القاهرة عام 1952 وعمرها أقل من الثانية عشرة. ورغم أنها لم تعُدْ للكتابة والنشر بعد هذا النص، فقد فتحت الطريق أمام نصف المجتمع ليعبُر  نحو عالم النشر ويعبّر عن آماله وآلامه  ويطرح أسئلته سرْديّا. والمثير للاهتمام أن كل كاتبات القصة الكويتية كتبن ونشرن نصوصهن ب"أسمائهن الصريحة"، دونما حاجة ل"أسماء مستعارة" مادامت القصة الكويتية القصيرة ارتبطت عضويا منذ بداياتها ب"الإصلاح العام" الذي صار"إرادة وطنية".

 

وبعد القاصة ضياء هاشم البدر، توالت الأسماء النسوية فكانت ابتسام عبد الله عبد اللطيف، هيفاء الهاشم، ليلى العثمان، ثريا البقصمي، ليلى محمد صالح، عالية محمد شعيب، وفاء الحمدان، منى الشافعي، عائشة راشد عبد الهادي، فاطمة يوسف العلي، سعاد الولايتي، خولة القزويني، فوزية السويلم، لطيفة بطي، هبة بوخمسين، هيفاء السنعوسي، ياسمين عبد الله، استبرق احمد، ميس خالد العثمان، مي شراد، باسمة العنزي...

 

 

 

القصة القصيرة ما بين المغرب والكويت: التنظير والتأطير والتلقي

 

ما بين التنظير والتأطير، تقف الرؤية الشمولية المجردة التي يمثلها المفكر والفيلسوف من جهة والقدرة على التجسيد على الأرض والتي يجسدها الناقد من جهة ثانية. التنظير سليل الفكر والفلسفة ولا يمكن أن يقوم به سوى مفكر له دراية وارتباط بالأدب كأرسطو وهيغل وكانت وسارتر... وربما كان كتاب "فن الشعر" أول محاولة تنظيرية في تاريخ الأدب الإنساني سيطر إثرها على تذوق القراء للأدب لمدة تزيد عن العشرين قرنا من الزمن كثر خلالها النقاد وقلّ فيها المنظرون. فالناقد "تلميذ نجيب" للمنظر الذي يبقى مرجعا له كما تبقى "النظرية" مرجعا  مضمرا أو معلنا لكل ممارسة نقدية.

 

في المغرب، كان المفكر المغربي عبد الله العروي "مُنَظِّراً" للقصة العربية القصيرة بامتياز من خلال كتابه "الإيديولوجيا العربية المعاصر" الصادر بعد هزيمة 1967 والذي منه استقي النقاد المغاربة المعاصرون في مجال القصة القصيرة بنوعيها العادية والقصيرة جدا  قُوّتهم إذ كان عُرْي نقاد القصة القصيرة بالمغرب من كل "غطاء نظري" يلقي بهم في مجاهل تقييم العمل الإبداعي القصصي على خلفية الواقع السياسي. هكذا، رافق ظهور القصة القصيرة في بداياتها في الثلاثينيات من القرن العشرين تأطير "سياسي" ناتج عن "الهم الوطني" الذي كان هو المعيار الأساس في تقييم الأدبي للنص كما كان هو السبب في  إيقاف الانطلاقة القصصية الأولى وإطفاء جذوتها. أما في الستينيات والسبعينيات، بعد استقلال المغرب وخفوت صوت التحرر الوطني داخل النص القصصي، فقد هيمن "القلق الاجتماعي" وصار المعيار الأساس في التقييم الأدبي للنص القصصي هو مدى تجاوب النص مع سؤال الهوية والمجتمع ولعل أحمد اليابوري يبقى الصوت الأوضح لهذه المرحلة من مراحل النقد القصصي في المغرب المستقل. وبعد سقوط جدار برلين وانهيار القطبية الثنائية ومعها المعسكر الاشتراكي، انهار المضمون داخل النص القصصي نفسه ليحل محله "البعد الجمالي" و"المعيار الجمالي في التلقي". ولعل حميد لحميداني يبقى نموذجا لهذه المرحلة كما تشهد على ذلك إسهاماته النقدية في هذا الاتجاه..

 

أما على صعيد "الاختصاص"، فيمكن تسجيل تطور خاص بالنقاد واكب التطور الحاصل على مستوى الإنتاج النقدي. فبعدما كان الناقد الأدبي المغربي "رجل سياسة" بالضرورة في الثلاثينيات،  صار "ناقدا شاملا" لكل الأجناس والأنواع والأشكال الأدبية ومن ممثلي "النقد الشامل" في مغرب الاستقلال حميد لحميداني ونجيب العوفي. وبعد ذلك، دخل التخصص على الخط،،  فصار للرواية نقادها كعبد الرحيم العلام وحسن بحراوي ومحمد المعتصم، كما صار للقصة القصيرة نقادها  كعبد المجيد جحفة، وللقصة القصيرة جدا نقادها جميل الحمداوي ومحمد رمصيص وسعاد مسكين...

 

ولأن النقد هو صدى الإبداع، فحيثما دوّى الإبداع ترك صدى نقديا، وحيثما خمد الإبداع خمد النقد. على ضوء هذه الصورة، عرفت القصة الكويتية القصيرة "تقطعات" في مسارها وصل أحيانا سنوات من الفراغ الإبداعي في مجال القصة القصيرة وهو الفراغ الذي عادله فراغ نقدي مواز. الانقطاع الأول حدث في بداية استقلال الكويت سنة 1961، حيث التحقت النخب الإصلاحية التي كانت تنشط  في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين على مجلات "الكويت" و"البعثة" و"الفجر" و"الإرشاد" و"الشعب" و"الرائد" و"الكاظمة" و"الإيمان" جميعها بالعمل الحكومي لتطبيق أفكارها الإصلاحية على الأرض ولكنها تركت مكانها شاغرا وخاصة كتاب القصة القصيرة. وتطلب الأمر انتظار منتصف الستينيات لبزوغ نجم كتاب جدد من طينة سليمان الشطي وسليمان خليفي وعبد العزيز السريع وإسماعيل فهد إسماعيل. وقد كانت مهمة هؤلاء صعبة. فمن جهة، كان عليهم الكتابة في القصة القصيرة. ومن جهة أخرى، كان عليهم ملء الفراغ النقدي كما فعل إسماعيل فهد إسماعيل مؤلف كتاب "القصة العربية في الكويت" الصادر سنة 1980، وسليمان الشطي مؤلف كتاب "مدخل إلى القصة القصيرة في الكويت" الصادر سنة 1993...

ولأن المهمة عسيرة، فقد انسحب الأربعة من القصة القصيرة كلٌّ ومبرره: إسماعيل فهد إسماعيل للتفرغ  للرواية،وسليمان خليفي وعبد العزيز السريع للتفرغ للمسرح، أما سليمان الشطي فللتفرغ للعمل الأكاديمي. وبذلك، بدأ الانقطاع الثاني داخل مسار الإبداع القصصي الكويتي والذي لازمه انقطاع على مستوى النقد استمر حتى منتصف السبعينيات، تاريخ ميلاد جيل جديد من كتاب وكاتبات القصة الكويتية الجديدة.

 

 

 

أسئلة القصة القصيرة في المغرب:

 

في المغرب، تدرجت أسئلة القصة القصيرة من سؤال الوطن إلى سؤال المجتمع إلى سؤال الذات.  ففي مرحلة "صدمة الحداثة" الناتجة عن التفاعل مع المعمر، طفا على السطح القصصي سؤال الوطن والتوق إلى التحرر من الاستعمار فكانت مقاومة ظلم المعمر الأجنبي وهيمنة الثقافة الكولونيالية وحل السؤال السياسي محل السؤال الأخلاقي والديني وكان النص القصصي هو ما "عكس" الواقع بأدق تفاصيله.

 

وفي مرحلة الاستقلال، حل سؤال المجتمع محل سؤال الوطن، وعوض سؤال تحرير البلاد من المعمر الأجنبي بسؤال تحرير البلاد من جشع البورجوازية الوطنية ومن الظلم والفساد والقهر. وبذلك، صار النص القصصي هو ما "انتقد" الواقع وهدم المبني والقائم على أرضه.

                                

في المرحلة الثالثة، حل سؤال الذات محل سؤال المجتمع، واستبدل سؤال  الحرية الفردية سؤالَ تحرير المجتمع فكان التعالي عن هذا الواقع لاستشراف أفق مغاير وممكن. وضمن هذه المرحلة، يندرج مشروع "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" وهو مشروع ثلاثي الأجزاء صادر في نسخته الورقية العربية على ثلاث سنوات: "أنطولوجيا الحلم المغربي" سنة 2006، "أنطولوجيا الحب" سنة 2007، و"أنطولوجيا الحرية" سنة 2008 . وقد تقصد المشروع منذ بداياته، تحقيق ثلاث غايات أولها  التعريف بالقصة القصيرة المغربية عالميا من خلال ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية؛ وثانيها التعبئة بين أوساط المبدعات والمبدعين المغاربة لجعل المغرب يحتل مكانته الأدبية كعاصمة للقصة القصيرة في "المغرب العربي" إلى جانب الجزائر عاصمة الرواية وتونس عاصمة الشعر؛ وثالثها التأسيس ل"المدرسة الحائية"مدرسة" قادمة للقصة القصيرة الغدوية عبر هدم آخر قلاع العتمة  في الإبداع العربي  (الحلم والحب والحرية) واعتماد هده "الحاءات الثلاث" مادة للحكي الغدوي التي بدونها لا يكون الإبداع إبداعا.

 

أما على الواجهة الكويتية، فقد تدرجت أسئلة القصة الكويتية القصيرة  من "تحرير الوطن" من ثقافة التخلف منذ نص "منيرة" عام 1929 حتى بداية الستينيات وحصول الكويت على استقلالها، إلى "تحرير الإنسان" في أدب الستينيات مع مجاميع إسماعيل فهد إسماعيل  وسليمان الشطي وسليمان الخليفي وعبد العزيز السريع، إلى "تحرير المرأة الكويتية" في أدب "نون النسوة" منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين مع ليلى العثمان ومجايلاتها حتى الآن...

 

 

 

خلفيات رعاية القصة القصيرة في المغرب والكويت:

                                                                       

ظهرت القصة القصيرة في الغرب في منتصف القرن التاسع عشر للدفاع عن قيم "الفردية"، عكس الرواية التي كانت تنتصر لقيم "الجماعية" و"اندماج الفرد في الجماعة"، لكن السياق العربي أضاف للقصة القصيرة مبررا جديدا بعد هزيمة 1967. فقد كتب المفكر المغربي عبد الله العروي، بعد 1967،  بأن "قِصَرَ حَجْم" القصة القصيرة و"نَفَسَها القصير" يتلاءم ويتناغم مع نَفَسِ الهزائم العربية المتلاحقة ويوحي بالعياء والتعب. وهو بذلك يتماشى مع طبيعة مرحلة ما بعد 1967. وقد وصل هذا الدفع بالقِصَر القصصي أقصاه مع ظهور القصة القصيرة جدا في التسعينيات من القرن العشرين...

 

أما في مغرب الألفية الثالثة، فقد انضاف للخلفيتين السابقتين خلفية ثالثة هاجسها "تحقيق التوازن الأدبي داخل الأدب المغاربي" بحيث تحتفظ تونس برياديتها مغاربيا في الشعر والجزائر برياديتها في الرواية وينتزع المغرب رياديته في القصة القصيرة بعدما وصل كم المجاميع القصصية في المغرب أكثر من 500 عنوان مقابل أقل من 200 لكل من تونس والجزائر..

 

أما في الكويت، فقد كانت خلفيات رعاية القصة القصيرة، في البدء، هي "دعم تيار الإصلاح الشامل" الذي انطلق مع نهاية العشرينيات وامتد حتى بداية الستينيات من القرن العشرين عند إعلان استقلال دولة الكويت. أما الآن، مع هيمنة "نون النسوة" على الريادة القصصية في الكويت،  فقد صارت الخلفية المتحكمة في رعاية القصة القصيرة بالكويت هي إعطاء بعد جديد ل"الإصلاح الاجتماعي": حرية المرأة...

 

 

 

قوة الدفع الرباعي للقصة القصيرة في المغرب: التكتلات، المهرجانات، الأنشطة، الإصدارات

 

تختلف طريقة تفعيل دور القصة القصيرة اختلافا كبيرا كلما تغير مكان الرؤية من المغرب  إلى الكويت أو العكس، فحين  يتغير المنطلق تتغير، آليا، الأدوات والسبل. ففي المغرب،  اعتُبِرَتْ القصة القصيرة نوعا أدبيا مُهمشا، فتبناه الأدباء كشكل من أشكال مقاومة التهميش لكن صار لا بد لهم من التكتل أوّلاً لمقاومة ضغط "أدب المركز". وبذلك، ظهر عند نهاية القرن العشرين "الكوليزيوم القصصي" و"نادي القصة القصيرة بالمغرب" و"الغاضبون الجدد" و"مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب" ثم تناسلت الأندية والمجموعات والجماعات والجمعيات المهتمة بالقصة القصيرة في كل ربوع المغرب مع مطلع القرن الواحد والعشرين ولكنها غيرت طريقة اشتغالها من الاهتمام ب"البيانات" إلى الاهتمام ب"تنظيم الأنشطة" و"جمع القصاصين" و"التواصل" معهم وفيما بينهم ك"الصالون الأدبي" بمدينة الدار البيضاء وجمعية "النجم الأحمر" بمشرع بلقصيري و نادي "الهامش القصصي" بزاكورا... ومنها ما يتعدى مستوى تنظيم الأنشطة على الأرض  إلى إصدار الندوات والمحاضرات مُجمّعة في كُتب لتصبح مراجع للباحثين في القصة القصيرة ومن هذه الجمعيات "جمعية الشعلة بمراكش" و"مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب"...

 

وبموازاة مع مرحلة تأسيس الجمعيات المهتمة بالقصة القصيرة، جاء دور صدور الأنطولوجيات سواء من الجهة الوصية على الثقافة إذ أصدرت وزارة الثقافة "أنطولوجيا القصة المغربية القصيرة" سنة 2003، أو من طرف دور النشر ك"الزمن" و"البوكيلي" للطباعة والنشر، أو من طرف الكتاب الغيورين على هذا النوع السردي المقاوم كأنطولوجيا "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" التي أعدها وقدّم لها وترجمها إلى اللغة الإنجليزية محمد سعيد الريحاني ونشر نسختها العربية بدعم مالي ذاتي في ثلاثة أجزاء "أنطولوجيا الحلم" سنة 2006 و"أنطولوجيا الحب" سنة 2007 و"أنطولوجيا الحرية" سنة 2008 ...

 

وبعد مرحلة التكتلات وإصدار الأنطولوجيات وارتفاع وتيرة الإصدارات القصصية إلى درجة صار معها المغرب يحتل المرتبة الأولى مغاربيا بأكثر من خمسمائة عنوان قصصي، وهو ما يعادل ضِعْفَ إصدارات المغرب العربي برُمّته في حقل القصة القصصية.  ثم بدأ دور مهرجانات القصة القصيرة في المغرب والتي تنظمها فعاليات "المجتمع المدني" ولا يوجد مهرجان "رسمي" واحد تنظمه أو تشرف عليه وزارة الثقافة المغربية. ف"المركزي للمركز، والهامشي للهامش". ولذلك، تحملت مدن مغربية "هامشية" و"صغيرة" وب"دون وزن" اقتصادي  أو سياسي مسؤولية تنظيم مهرجانات خاصة بالقصة القصيرة يتطابق فيها "النوع الأدبي المهمش" ب"المدن المغربية المهمشة"، فكان تنظيم مهرجانات "منتظمة" للقصة القصيرة يحييها نادي "الهامش القصصي" بزاكورا جنوب المغرب وجمعية "النجم الأحمر" بمشرع بلقصيري غرب المغرب وغيرهما من الجمعيات بموازاة مع مهرجانات القصة القصيرة جدا بمدن صغيرة كالفقيه بن صالح  وتيفلت وخنيفرة ومشرع بلقصيري...

 

أما على صعيد الدوريات، فابتداء من سنة 2000، أصدرت "مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب" مجلة محكمة تختص بالقصة القصيرة إبداعا ونقدا وترجمة. كما صار لكتاب القصة في الألفية الثالثة ملحقا قصصيا أسبوعيا ثابتا على يومية "المنعطف" المغربية...

 

أما على الواجهة الإلكترونية، فيتعرف الكتاب والنقاد والقراء من المشارقة على القصة المغربية القصيرة من خلال موقع "ريحانيات" ومنتدى "ميدوزا" وموقع "القصة المغربية القصيرة" و"المحلاج"... كما أحدثت وزارة الثقافة المغربية "مؤخرا" موقعا فرعيا خاصا بالقصة المغربية القصيرة لكنه توقف عن النمو منذ سنة كاملة.

 

أما على الواجهة الكويتية، فيبدو أن الطابع المؤسسي الرسمي هو المهيمن والمنقذ في آن معا. فوزارات  الإعلام والثقافة والشؤون الإسلامية حاضرة بقوة في المشهد الثقافي العام وفي دعم القصة القصيرة تحديدا. ف"المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب"، عن وزارة الثقافة، وإصدارات "مجلة العربي" عن وزارة الإعلام،  وإصدارات سلسلة "روافد" عن ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهي سلسلة نقرأ في الصفحة الأولى من كل إصدار من إصداراتها التي أخرجت للنور العديد من المجاميع القصصية: هذا "مشروع فكري وثقافي وأدبي يهدف إلى الإسهام النوعي في إثراء المحيط الفكري والأدبي والثقافي بإصدار دورية وبرامج تدريبية وفق رؤية وسطية تدرك الواقع وتستشرف المستقبل"...

 

 

 

طبع ونشر القصة القصيرة في الكويت والمغرب:

 

من حيث النشر، يختلف اهتمام الكويت بالقصة القصيرة عن اهتمام المغرب بها. ففي الوقت الذي  يكاد نشر القصة القصيرة في المغرب يكون مهمة مقاولات النشر والناشرين الذاتيين، يتميز نشر القصة القصيرة في الكويت بدخول المؤسسات الإعلامية والثقافية على الخط. فمن بين ابرز المؤسسات الإعلامية، "مجلة العربي" التي تصدر سلسلة "كتاب العربي" الشهري والذي كان من بين أعداده المخصصة للقصة القصيرة: "قصص على الهواء بأقلام شابة" أبريل 2009، "البحث عن آفاق أرحب: مختارات من القصة الكويتية" يناير 2008، "عن الدهشة والألم: 50 قصة بأقلام عربية" أبريل 2007...  أما "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" بالكويت فتخصص في ترجمة ونشر إبداعات الآخر لإغْناء مكتبات الذات...

 

         أما في المغرب، فتتجاذب نشر الأعمال القصصية أيدي وزارة الثقافة من خلال سلسلة "الكتاب الأول" وسلسلة "إبداعات"، وبعض دور النشر القليلة المتخصصة في نشر القصة القصيرة العادية والقصة القصيرة جدا بالمغرب  وهما على التوالي "مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب" و"دار التنوخي"، وطبعا يبقى الفاعل الثالث في نشر القصة القصيرة بالمغرب هو "الكاتب الناشر لعمله من ماله" بحيث يحصد عدد العناوين القصصية التي يتكلف أصحابها، أي "الكتاب الناشرون" أو "الناشرون الذاتيون  بنشرها بدعم مالي ذاتي حصة الأسد من عدد العناوين القصصية المنشورة سنويا...

 

أما بالنسبة للأنطولوجيات القصصية، ف"تغامر"، كل "عقد من الزمن"، دار نشر "مغايرة" بتخصيص عدد سنوي خاص بالقصة القصيرة. في سنة 2000، أصدرت مؤسسة "الزمن" أنطولوجيا  "منارات: مختارات من القصة القصيرة الجديدة"، وفي سنة 2011 أصدرت دار "البوكيلي" للطباعة والنشر أنطولوجيا.خاصة بالأصوات  القصصية الجديدة...

                                                               

 

ترجمة القصة القصيرة في الكويت والمغرب:

 

تشتغل ترجمة القصة القصيرة في كل من المغرب والكويت في اتجاهين مختلفين. فبينما تهدف جهود الترجمة الكويتية إلى إغناء مجال القصة القصيرة من خلال ترجمة نفائس الأعمال القصصية العالمية إلى اللغة العربية وتوزيعها عربيا، تتجه الترجمة المغربية نحو اختيار الصور الإيجابية عن الذات و تصديرها للعالم غير العربي ضدا على الصور المسيئة للأدب العربي عموما والمغربي خصوصا والتي تتحكم فيها عين المعمر والمستشرق.

 

 ففي الكويت، نزل "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" بكل ثقله كمؤسسة ثقافية رسمية تتمتع بالرأسمال المالي وبالسلطة الرمزية لدعم وتشجيع الأدب العربي عموما والقصة العربية القصيرة خصوصا إذ ترجم وأصدر ضمن سلسلة "إبداعات عالمية" منذ 1998، سنة تحول السلسلة من "من المسرح العالمي" إلى "إبداعات عالمية"، الأعمال القصصية الكاملة لأرنست همنغواي ومجاميع قصصية لأوهنري وبول باولز وأنطولوجيات قصصية من باكستان وإيران وتركيا وأوزبكستان وألمانيا والبرازيل وأمريكا اللاتينية الناطقة بالإسبانية... كما انه بطبعه لأربعين ألف نسخة شهريا من كل عنوان وتعميم التوزيع على كل العالم العربي ساهم في النهضة التي تعرفها القصة القصيرة ليس في الكويت فقط ولكن في عدة مناطق من الوطن العربي.

 

أما في المغرب، فتتميز ترجمات القصة القصيرة بخاصيتين: الخاصية الأولى هي "الترجمة العكسية" وهي ترجمة النصوص القصصية المغربية من اللغة العربية  إلى اللغات الأخرى، وأما الخاصية الثانية فهي إشراف "كتاب القصة" أنفسهم على الترجمة تحصينا لها من الانزلاقات والخيانات في نقل المعنى والأثر. وبهذه الطريقة، ترجم محمد سعيد الريحاني أنطولوجيا "الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة" بأجزائها الثلاثة إلى اللغة الإنجليزية وتتمحور النصوص الخمسين المضمنة في الانطولوجيا حول تيمات "الحرية والحلم والحب" التي يرانا النقاد والقراء في الغرب "عاجزين" كعرب عن الخوض فيها، بينما ترجم الناقد والقاص خليفة ببا هواري أنطولوجيا "القصة المغربية الجديدة" إلى اللغة الفرنسية، فيما تعكف الشاعرة والقاصة حبيبة زوكي على ترجمة أنطولوجيا قصصية مغربية ثالثة إلى اللغة الفرنسية...

 

 

 

القصة القصيرة في المغرب والكويت وسؤال "التخصص":

القصة القصيرة نوع أدبي ينتمي إلى جنس السرد ولكنه يبقى كشكل تعبيري مفتوح في وجه كل المبدعين الوافدين من كل الأشكال التعبيرية الأخرى كما يبقى نوعا أدبيا متسامحا مع كل من راوح بينه وبين سواه. فثمة كتاب راوحوا بين القصة القصيرة وأشكال أخرى في الكتابة مثل: محمد شكري وأحمد المديني وإدريس الصغير وعبد الحميد الغرباوي ومصطفى لغتيري والحبيب الدايم ربي ومحمد سعيد الريحاني وزهرة رميج وهشام حراك...

 

وهناك كتاب مغاربة بدؤوا بكتابة القصة القصيرة ثم انطلقوا نحو الرواية مثل: محمد عز الدين التازي ومحمد زفزاف ومحمد أنقار...

 

أما النوع الثالث من كتاب هذا النوع السردي القصير فبدؤوا بكتابة الرواية ثم تحولوا إلى كتابة القصة القصيرة ومن هؤلاء: محمد البوزيدي...

 

وهناك حالة رابعة من الكتاب الذين بدؤوا بكتابة اليوميات ثم التحقوا بالقصة القصيرة كحالة: عز الدين الماعزي...

 

وهناك أيضا الشعراء الذين لم يستطيعوا مقاومة إغراء السرد القصير فالتحقوا بركب القصة القصيرة. ومن هؤلاء: سعاد الناصر ومليكة صيراري ومالكة عسال وياسين عدنان وعبد الله المتقي...

 

أما النوع الأخير من كتاب القصة القصيرة بالمغرب فَهُمْ كتابٌ "التزموا" الكتابة في القصة القصيرة و"تخصصوا" فيها "دون سواها". ومن بين هؤلاء الكتاب: أحمد بوزفور ومصطفى يعلى ومحمد عزيز المصباحي ومحمد أمنصور ومحمد الشايب ومحمد اشويكة وأنيس الرافعي...

 

سؤال "التخصص" في القصة القصيرة بكل القسوة التي يطرحها "رجال" القصة القصيرة في المغرب تقابلها لطافة "نساء" القصة القصيرة في الكويت ممن أمسكن مؤخرا بالريادة القصصية في مجتمع "رجولي" بامتياز. فقد صار تخصص المرأة في القصة القصيرة واقعا على الأرض بعد تراجع المتراجعين وهجرة القصاصين الرجال نحو أجناس وأنواع وأشكال تعبيرية أخرى مثل المسرح والرواية. فباستثناء بضع مجاميع قصصية موقعة بأسماء رجالية هي مجموعة يوسف ذياب خليفة "العين الثالثة" الصادرة سنة  2003 و مجموعتي خالد حمد الصالح "الأسير" الصادرة سنة  2002 و"الخوف" الصادرة سنة  2007، مجموعة طالب الرفاعي "شمس" الصادرة سنة  2005، مجموعة سليمان الشطي "رجال من الرف العالي" الصادرة سنة  2004، مجموعتي وليد خالد المسلم "شهاب ثاقب" الصادرة سنة  2001 و"المعادلة الصعبة" الصادرة سنة 2002،  مجموعة خالد الحربي "خطفت نفسي" الصادرة سنة  2005، مجموعة عبد اللطيف خضر الخضر "القرصان الأحمر وقصص أخرى" الصادرة سنة  2006، تبقى "كل" الإصدارات القصصية الكويتية  التي رأت النور في القرن الواحد والعشرين هي إصدارات "أنثوية":

مجموعة وفاء الحمدان القصصية "الريح تصفر لحنها" صادرة سنة 2000

مجموعة منى عبد الجليل القصصية "طبيب الحب" صادرة سنة 2001

مجموعة لطيفة البطي القصصية "بلدي إنينكايو" صادرة سنة 2001

مجموعة منى الشافعي القصصية "دراما الحواس" صادرة سنة 2001

مجموعة عائشة راشد عبد الهادي القصصية "حمالي سكة بهيتة" صادرة سنة 2002

مجموعة مي الشراد القصصية "الرجال لا رموش لهم" صادرة سنة 2002

مجموعة ميس خالد العثمان القصصية "أشياؤها الصغيرة" صادرة سنة 2003

مجموعة استبرق أحمد القصصية "عتمة الضوء" صادرة سنة 2003

مجموعة الجوهرة القويضي القصصية "غواية الآخر" صادرة سنة 2003

مجموعة فاطمة يوسف العلي القصصية " دماء على وجه القمر" صادرة سنة 2004

مجموعة ليلى العثمان القصصية "ليلة القهر" صادرة سنة 2005

مجموعة هبة بوخمسين القصصية "ذات سكرة" صادرة سنة 2006

مجموعة فاطمة يوسف العلي القصصية "لسميرة وأخواتها" صادرة سنة 2006

مجموعة هيفاء السنعوسي القصصية "إنهم يرتدون الأقنعة" صادرة سنة 2007

مجموعة فوزية السويلم القصصية "أشواق شيطانية" صادرة سنة 2007

مجموعة باسمة العنزي القصصية "حياة صغيرة خالية من الأحداث" صادرة سنة 2007...

                                                        

 

 

امتدادات القصة القصيرة في المغرب والكويت: ما بين خيار القصة القصيرة جدا وخيار القصة بتاء التانيث

 

ما بين القصة القصيرة جدا و"النكتة" و"الحكمة" و"الخبر" صلة قرابة بحكم "القِصَر" الذي يميزها جميعا لكن الهوة تبقى سحيقة. فبينما تنتهي "النكتة" بالضرورة بالإضحاك والانشراح، تبقى "الحكمة" سيدة الحقيقة ومالكة لمفاتيحها، فيما يبقى "الخبر" الذي يمتاز هو أيضا بالقِصَر مفتقرا إلى الوعظ الذي يميز "الحكمة" وإلى البعد جمالي الذي يميز "القصة القصيرة جدا".

 

أما الهدف من وراء تبني هذا النوع السردي الوليد في المغرب، القصة القصيرة جدا، فيبقى في الحقيقة أهدافاُ بصيغة الجمع. أولها، دفع القصة القصيرة نحو أقصى مداها في القِصَرِ والتكثيف. وثانيها، إيقاف هيمنة الرّواد على الأجيال القادمة في مجال القصة القصيرة. وثالثها وليس آخرها، جعل الكتابة القصصية حرّة ومتجددة ومتغيرة على الدوام... وهذا ما يفسر رفض "الرواد" في مجال القصة القصيرة لعروض الكتابة في القصة القصيرة جدا التي يعتبرونها "ثورة" عليهم وعلى مكانتهم الريادية مع تغليفها ب"مبررات جمالية" لتسويقها أدبيا. ولعل أصول الكتاب الأوائل للقصة القصيرة جدا تبرر نسبيا هذا الخوف. فبعد تجربة إبراهيم بوعلو في التسعينيات من القرن العشرين، التحق بعض كتاب القصة القصيرة العادية بركب كتابة القصة القصيرة جدا كمصطفى لغتيري وزهرة رميج ومحمد سعيد الريحاني... لكن أغلب كتاب القصة القصيرة جدا هم كتاب ولدوا في هذا النوع الأدبي الجديد وتربوا وترعرعوا فيه مثل محمد تنفو وحسن برطال واسماعيل البويحياوي والسعدية باحدة...

 

وقد استطاع مجتمع القصة القصيرة جدا في ظرف وجيز للغاية أن يؤسس لنفسه بيئة مستقلة تنظم مهرجانات سنوية خاصة يواظب عليها كتاب وقراء القصة القصيرة جدا، كما تأسست بين ظهرانيهم دار نشر وهي "دار التنوخي للنشر والتوزيع" المتخصصة في نشر المجاميع القصصية القصيرة جدا والدراسات النقدية المتخصصة في القصة القصيرة جدا. كما يواكب المنشورات والإصدارات في هذا المجال  نقاد متخصصون في القصة القصيرة جدا دون غيرها وقد أسسوا، بتاريخ 15 أبريل 2011م بمدينة الناظور شمال المغرب، جمعية خاصة بهم تحمل اسم "جمعية نقاد القصة العربية القصيرة جدا".  ومن بين أبرز نقاد القصة القصيرة جدا  بالمغرب وأنشطهم: جميل الحمداوي، محمد رمصيص، سعاد مسكين...

 

لكن إذا كانت القصة القصيرة قد وصل بها التوسع في المغرب حد الانشطار إلى "نوع سردي جديد" أو "شكل قصصي جديد"، فإنها سلكت في الكويت مسلكا مغايرا كل المغايرة إذ أدى التقطع في الزمن الذي عرفه الإبداع القصصي في الكويت "مرتين" في تاريخه إلى "تقطع" في السيولة النقدية، سيرا وراء القاعدة العامة القائلة ك "متى انقطع الصوت الإبداعي، انقطع الصدى النقدي". لكن هذا "التقطع"، وإن بدا سلبيا على المستوى اللغوي التداولي، فإنه كان "تقطعا" بنكهة "القفزة التاريخية" إذ بعد كل "تقطع" كانت "قفزة نوعية هامة" في تاريخ القصة الكويتية.

 

فبعد "التوقف" الطويل الذي اعقب استقلال الكويت، جاءت تجربة الستينيات الرائدة بأسئلتها الإنسانية النبيلة التي نقلت سؤال تحرير الوطن إلى سؤال تحرير الإنسان. وبعد "التوقف" الناتج عن خروج رواد القصة القصيرة الستينية من الحلبة، جاءت "الريادة النسوية" للقصة الكويتية القصيرة والتي بدأت بعد منتصف السبعينيات وبسطت هيمنتها على القصة القصيرة الكويتية مع مطلع القرن الحادي والعشرين إذ صار "أغلب" كتاب القصة القصيرة بالكويت "إناث". وهذا تحول هام قد يجعل من القصة الكويتية "نموذجا فريدا" في العالم بأسره. وحده نابوليون بونابارت كان يؤمن بأن "الأدب صناعة النساء". أما اليوم، فقاصات الكويت أثبثن على الأرض صحة الفرضية.

 

 

 

جوائز القصة القصيرة في الكويت والمغرب:

 

بالنظر إلى تزايد كمّ الإصدارات القصصية الكويتية الموقعة بأسماء أنثوية منذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين حتى الآن، واحتفاء الدولة الكويتية بالأقلام الكويتية الفاعلة في مجال القصة القصيرة بشيوخها وشبابها (جائزة الدولة الكويتية التشجيعية لقاصة شابة هي باسمة العنزي عن سنة  2007 تتويجا لمجموعتها القصصية "حياة صغيرة خالية من الأحداث")، يلاحظ اقتحام الأدباء حلقة تنظيم الجوائز بأسمائهم مثل "جائزة ليلى العثمان للإبداع السردي" وهو تقليد بدأ في حقل الشعر مع "جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري" و"جوائز سعاد الصباح للشعر"...

 

ولأن الأوصياء على الثقافة المغربية يعتبرون القصة القصيرة نوعا أدبيا هامشيا حول قضايا الهامش يحتفل بها أدباء الهامش في مهرجانات وملتقيات الهامش، فقد كان مصير القصة القصيرة "التهميش" ذاته حتى على صعيد الجوائز التي تقدمها الدولة المغربية للأدباء المغاربة خلال دورات المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء كل عام. "جائزة كتاب المغرب"، التي تقدم "عادة" للروائيين والنقاد، حين مُنحت للقاص المغربي أحمد بوزفور عام 2002 رفضها بكل منطقية ولو أن الأسباب التي صاغها في رسالته المبررة لرفضه لها لا تتقاطع مع تحليلنا هذا!

أما "اتحاد كتاب المغرب" فلا زال على تقليده السنوي في تنظيم الجائزة السنوية للقصة القصيرة لكتاب القصة القصيرة لمن هم دون سن الثلاثين من العمر وهو تقليد انضمت إليه "القناة الثانية" المغربية وبعض فعاليات المجتمع المدني لكن أقصى ما تقدمه هذه الجوائز للفائزين هو "الوعد بنشر المجموعة القصصية ورقيا"...

 

 

 

على سبيل الختم:

 

بنضالات المبدعين والمؤسسات على السواء، تستمر القصة القصيرة في الحياة وإشاعة حب الحياة ولكن عراقيل جمة لا زالت تنتظر عبورها نحو الأجيال القادمة وأهمها عائق دخولها إلى لائحة النصوص والمؤلفات المقررة أكاديميا ثارة باسم "السياسة" كحالة المغرب وثارة باسم "مطرب الحي لا يطرب" كحالة الكويت حيث تدرس أعمال كاتبات كويتيات من طينة القاصة لطيفة البطي في لبنان بينما لا تعرف ذات الأعمال طريقها نحو أقرب تلميذ كويتي في أقرب مدرسة من بيت القاصة.

 

أما في المدرسة المغربية وبأسلاكها السبعة، فلا زالت السياسة تتحكم في تدريس الإبداع عموما والقصة القصيرة خصوصا، وهي تمارس هذه السلطة من خلال اختيار النصوص قبل تضمينها المقرر الدراسي. فقبل 1998 التي توافق سنة "التناوب والتوافق"، كان يتم اللجوء إلى تدريس القصة القصيرة المشرقية لإقصاء القصة المغربية القصيرة التي يهيمن على كتابتها قصاصون ينتمون إلى المعارضة عموما واليسار خصوصا. إذ توفي محمد شكري ومحمد زفزاف في الألفية الثالثة ونصوصهم لم تعرف بعد طريقها للمدرسة المغربية رغم أن أعمال محمد شكري ترجمت إلى أزيد من أربعين لغة غير لغة وزارتي الثقافة والتعليم المغربيتين.

 

بعد 1998، سنة "التناوب والتوافق"، أصبح شرط تدريس القصة المغربية القصيرة ليس هو انتماء مؤلفيها لليسار وإنما انضباطها لشرط "احترام الآداب العامة" وهذا ما يبرر عدم دخول نصوص محمد شكري أو إدريس الخوري وغيرهما إلى أبنائهم وأحفادهم من طلبة وتلاميذ المدرسة المغربية. لكن ثمة مؤلفات تتوفر على ذات الشرط، شرط "احترام الآداب العامة"، ولكنها مبعدة من صلة القرابة مع التلميذ والطالب المغربي. وهذا ما يشوش على ويضبب الرؤية أكثر. فالشروط لا تعدّ والمقدسات لا تحصى والطابوهات لا نهائية والباقي من الممنوعات لا يزال قيد التشكل والصياغة والنقاش والمداولة...

 

 

 

المراجع:

 

1- سليمان الشطي،" القصة العربية في الكويتدارالعودة: بيروت، الطبعة الأولى، 1980

2- إسماعيل فهد إسماعيل،"مدخل إلى القصة القصيرة في الكويت"، مكتبة دارالعروبة: الكويت، الطبعة الأولى، 1993

3- خليفة الوقيان، "الثقافة في الكويت: بواكير، اتجاهات، ريادات"، الجزء الأول والثاني، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: الكويت، الطبعة الثالثة، 2010

4- "البحث عن آفاق أرحب: مختارات من القصة الكويتية المعاصرة"، كتاب العربي 71، إعداد وتقديم د. مرسل فالح العجمي، الناشر "مجلة العربي": الكويت، الطبعة الأولى، 15 يناير 2008

5- عبد الله العروي، "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، دار الحقيقة: بيروت، الطبعة الرابعة، 1981

6- محمد سعيد الريحاني،"الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة"، الجزء الأول: أنطولوجيا الحلم، د.ن:  الرباط، الطبعة الأولى، 2006

7- محمد سعيد الريحاني،"الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة"، الجزء الثاني: أنطولوجيا الحب، د.ن:  الرباط، الطبعة الأولى، 2007

8- محمد سعيد الريحاني،"الحاءات الثلاث: مختارات من القصة المغربية الجديدة"، الجزء الثالث: أنطولوجيا الحرية، د.ن: الرباط، الطبعة الأولى، 2008

9- محمد الزموري، "فخاخ الحلم والمرايا: دراسات في القصة القصيرةد.ن: فاس، الطبعة الأولى، 2010

10- "القصة المغربية: التجنيس والمرجعية وفرادة الخطاب"، مداخلات مجموعة من الأساتذة والباحثين، منشورات الشعلة: الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000

11- "أسئلة النقد القصصي بالمغربمداخلات مجموعة من الأساتذة والمبدعين، منشورات الشعلة: الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000

12- محمد أمنصور، "شهوة القصص: أوراق من مفكرة قاص تجريبي"، دار الحرف: القنيطرة، الطبعة الأولى، 2007

13- سعاد مسكين، "القصة القصيرة جدا في المغرب: تصورات ومقاربات"، دار التنوخي: الرباط، الطبعة الأولى، 2011

 

فهرس المقالات النقدية

 

 

 

نحو  قصة غدوية جديدة

(مقترحات لتقويم المسار)

جدلية الانطلاق ومراجعة الذات في مسار القصة القصيرة الكويتية والمغربية (دراسة مقارنة)

كيف أرى القصة القصيرة

(كولاج نقدي)

 

 

 

خريطة الموقع

 

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

بَيَانَاتُ أدبية

"الحاءات الثلاث"

 روايات

 حِوَارَاتٌ مع الرَّيْحَاني

 حِوَارَاتٌ من الشرق والغربٌ

أدب الطفل

درَاسَات للاسم الفردي

رهانات الأغنية العربية

قصص قصيرة جدا

مجاميع قصصية مشتركة

مجاميع قصصية على الخط

تقديم أعمال الأصدقاء

نقد ذاتي

نقد أدبي

أبحاث في الترجمة

أبحاث في الفن

أبحاث في الإعلام

الألبوم المفتوحُ

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

المَكْتَبَةُ الإِلكْتْرُونِيَةُ

ENGLISH

FRANCAIS

الصفحة الرئيسية

 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-criticism-index.htm</title>

<meta name="description" content="نقد أدبي"><meta name="keywords" content="أدب، جنس أدبي، نوع أدبي، تعبير أدبي، قصة قصيرة، قصة قصيرة جدا، رواية، قصة ومضة، مسرح، دراسة أدبية، مقالة نقدية، تحليل نص">

 

; tab-stops:45.8pt 91.6pt 137.4pt 183.2pt 229.0pt 274.8pt 320.6pt 366.4pt 412.2pt 458.0pt 503.8pt 549.6pt 595.4pt 641.2pt 687.0pt 732.8pt'> 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-criticism-index.htm</title>

<meta name="description" content="نقد أدبي"><meta name="keywords" content="أدب، جنس أدبي، نوع أدبي، تعبير أدبي، قصة قصيرة، قصة قصيرة جدا، رواية، قصة ومضة، مسرح، دراسة أدبية، مقالة نقدية، تحليل نص">

 

o-ansi-language: EN-GB'> 

/html>